محمد دياب الإتليدي

154

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )

دام لك العز والبقاء . . . ما اختلف الصبح والمساء ودمت ما دامت الليالي . . . بمدة ما لها انقضاء الناس ناس بكل أرض . . . وأنت من فوقهم سماء قال : فرد الشيخ السلام وقال له : اجلس يا أبا الحسن ، وحدثنا بحديث عجيب مليح لم نسمعه قط ؟ فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين ، أحدثك بشيء سمعته بأذني أو بشيء رأيته بعيني ؟ قال الرشيد : يا شيخ أبا الحسن الذي تراه العين أحسن من الذي تسمعه الأذن . فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين ، أفرغ لي عن ثلاثة أشياء منك ؟ فقال : ما الثلاثة ؟ فقال : ذهنك وسمعك وقلبيك . فقال الرشيد : هات يا أبا الحسن . فقال : يا أمير المؤمنين لي عادة أني أسافر في كل سنة إلى البصرة للأمير محمد بن سليمان الزينبي ، وأقعد عنده أحدثه الأسمار ، وأورد له الأخبار ، وأنشد له الأشعار ، ولي عليه رسم ألف دينار آخذها وأعود إلى بغداد . فاتفق لي من سنة من السنين أني سافرت إلى البصرة على عادتي ودخلت على الأمير محمد بن سليمان وجلست عنده اليوم الأول والثاني والثالث ، فركب إلى الصيد وتركني في منزله وأوصى أرباب دولته بخدمتي وإكرامي إلى أن يعود ، وأوصى الطباخ الذي له أن لا يطعمني إلا شيئاً تشتهيه نفسي ، فاشتهيت السمك فقلت للطباخ : فعمل لي من السمك عدة ألوان فأكلت وطاب لي الأكل حتى ثقل على فؤادي ، فقلت : ما يصرف عني هذا إلا المشي ، ولي عدة أسفار إلى البصرة ما أعرف فيها مكاناً ، وأريد اليوم أن أجعلها حجة وفرجة . ثم إني نزلت أتمشى في شوارع البصرة فعطشت عطشاً شديداً وناهيك بعطش السمك ، فقلت في نفسي : إن تناولت شربة من السقاء لا تطيب نفسي لأنه يشرب منه أصحاب الأمراض ، وكبر على نفسي أن أحملها إلى شاطئ الدجلة ، وقلت : ما لي إلا أن أقصد بعض دور المحتشمين وأطلب منها شربة من ماء ، فأتيت إلى درب وفي ذلك الدرب خمسة دور داران مقابلتان لدارين ودار صدرانية قد قامت من التراب وتعلقت بأذيال السحاب ، ولها باب مقنطر مزخرف بمصاطب طولانية ، مفروش عليها حصر عبدانية ، والباب ساج مصفح بصفائح الذب الوهاج ومسامير الفضة وستر من الحرير الأصفر المدثر مكتوب عليه هذه الأبيات : ألا يا دارُ لا يدخلك حزنٌ . . . ولا يغدر بصاحبك الزمان